الشيخ محمد رشيد رضا
230
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ويقول في العدو الماكر المخادع اللّه يعلم ما في قلبه . والمعنى ان ما في قلوب هؤلاء المنافقين كبير جدا لا يعرفه كما هو إلا اللّه تعالى فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي اصرف وجهك عنهم ولا تقبل عليهم بالبشاشة والتكريم وَعِظْهُمْ ببيان سوء حالهم لهم إذا هم اصروا على ما هم عليه وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً يبلغ من نفوسهم الأثر الذي تريد ان تحدثه فيها . أقول أما الاعراض عنهم فهو يحدث في نفوسهم الهواجس والخوف من سوء العاقبة فإنهم لم يكونوا على يقين من أسباب كفرهم ونفاقهم ولا جازمين بما في نفوسهم من تكذيب الوحي ولذلك كانوا يحذرون أن تنزل سورة تنبئهم بما في قلوبهم ، ويحسبون كل صيحة عليهم ، فإذا رأوا من النبي ( ص ) الاعراض عنهم وعدم الالتفات إلى اعذارهم المؤكدة بأيمانهم الكاذبة على خلاف عادته مع أصحابه من الاقبال عليهم والبشاشة في وجوههم فإنهم يظنون الظنون : لعله عرف ما نسر في نفوسنا ، لعل سورة نزلت نبأته بما في قلوبنا ، لعله يريد ان يؤاخذنا بما في بواطننا . وهذه الظنون تعدّهم للتأمل فيما يلقي عليهم من الوعظ وهو - كما تقدم في تفسير الجزء الثاني ( ص 403 ج 2 ) - النصح والتذكير بالخير والحق على الوجه الذي يرق له القلب ويبعث على العمل . واما الأمر الثالث وهو « وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا » فقيل معنى قوله « فِي أَنْفُسِهِمْ » في شأن أنفسهم كأن يذكر لهم من شأن أنفسهم في عقائدها وما تنطوي عليه سرائرها وما يترتب على تلك العقائد والسرائر ، من الاعمال الدالة على أن الظاهر مرآة الباطن ، ويبين لهم ان هذه الذبذبة لم تكن خيرا لهم فيما يهمهم من أمر دنياهم ، لأنهم صاروا بها في اضطراب دائم ، وهمّ ملازم ، وهي شر لهم في آخرتهم ، وقيل في أنفسهم معناه في السر دون الملأ لأن الكلام في السر يبلغ من النفس ما لا يبلغه الكلام على مسمع من الناس فان من تحدثه خاليا لا يشغله عن معنى حديثك ما يشغل غيره من ذهاب نفسه وراء تأثير حديثك في نفوس الناس الذين سمعوه : هل يحتقرونه به ، هل يحدثون به غيرهم ، ما ذا ينبغي ان يفعل وان يقول